عن زيتون جرسيف، وعن الاسم الأقدم الذي ما زال يستجيب له.
جرت العادة أن يُتحدّث عن الزيتون كما لو أنه وصل إلى مكان ما — حمله التجار، أو غرسه المستوطنون، هديةً من ضفة متوسطية إلى أخرى. إنها قصة مرتّبة، بل إنها تصمد على معظم السواحل. لكن قِف في البلاد الممتدة على طول ملوية، جنوب تازة، حيث ترتفع الأرض من سهل النهر ويميل الضوء إلى الفضّي في العشيّ، وستجد قصة أخرى مكتوبة في الأرض نفسها. هنا لم يصل الزيتون. هنا كان الزيتون في بيته أصلًا.
كانت أشجار الزيتون البري تنمو في شمال إفريقيا قبل أن تمنح البساتينُ والمعاصرُ وطرقُ التجارة الزيتونَ المزروع تاريخه المتوسطي بزمن طويل. فالزيتون الذي يعرفه العلم باسم Olea europaea له صور برية وأخرى مزروعة، والعلاقة بينهما ليست بسيطة. لقد سافرت الأصناف المزروعة، وتهجّنت مع الجمهرات المحلية، وانتُخبت مرة بعد مرة على أيدي من اعتنوا بها.
وهذا لا يجعل زيتون جرسيف أقل انتماءً إلى هذا المشهد. بل يجعل تاريخه أغنى. فتحت البستان المزروع يرقد إرث بيئي أقدم: الزيتون البري لشمال إفريقيا، الذي شكّلته عبر القرون عملياتُ التطعيم والانتخاب والجفاف والارتفاع وعناية الإنسان.
وثّقت الدراسات النباتية والزراعية منذ زمن طويل جمهرات من الزيتون البري والمزروع عبر شمال المغرب. وتقف جرسيف على الحافة الشرقية لواحد من أقدم المشاهد الزيتونية في البلاد، حيث تلتقي بساتين الجبال ووديان الأنهار والأشكال البرية الباقية.
وقد تحفظ بعض هذه البساتين آثارًا من مشاهد الزيتون البري التي كانت تمتد يومًا على نطاق أوسع عبر شمال إفريقيا: ذاكرة غابةٍ أقدم، تحوّلت شجرةً شجرةً عبر التطعيم والانتخاب وأجيال من الزراعة. وما زال الزيتون البري يجاور هنا شجرَ الضرو والبطم البري من أحراش المتوسط القديمة — النباتات نفسها التي تقاسمت هذه التربة منذ ما قبل أن يفكر أحد في تدوين أسمائها. حين تمسك زيتونةً من جرسيف، فأنت تمسك ثمرة غابةٍ قرّرت أن تبقى.
اسمان لشجرة واحدة
كل زيتونة في هذه البلاد تستجيب لاسمين، والفرق بينهما هو القصة كلها.
الأول تعرفه أصلًا: الزيتون. إنه الكلمة التي يتقاسمها معظم المتوسط — فالعربية والعبرية والآرامية والفارسية والتركية كلها تحمل صورةً منها — وقد سافرت مع التجارة، تتبع السفن والأسواق. إنها كلمة طيبة وقديمة.
لكنها ليست أقدم اسم لهذه الشجرة. فقبل «الزيتون» بزمن طويل، كان أهل هذه الجبال يسمّون الشجرة باسمٍ من عندهم: أزمّور — ويُكتب بالحرف الأمازيغي ⴰⵣⵎⵎⵓⵔ. إنها كلمة أمازيغية قديمة، واسعة الانتشار عبر اللغات الأمازيغية، كلمة تنتمي إلى الأرض لا إلى طرق التجارة. وهي قديمة — نعرف قِدمها من مدى امتدادها. فمن جبل نفوسة في ليبيا إلى المغرب كله، عبر آلاف الكيلومترات من بلاد الأمازيغ، تبقى الكلمة حيّة.
وتظهر عبر المناطق الناطقة بالأمازيغية في صور شديدة القرابة، وإن اختلف معناها الدقيق وقواعدها من لغة إلى أخرى ومن وادٍ إلى آخر. فقد تسمّي الزيتونَ جمعًا، أو شجرة الزيتون المزروعة، أو، في بعض المناطق، الزيتون البري. وهذا التنوع لا يُضعف الكلمة، بل يُظهر عمق حياتها داخل مختلف الجماعات الأمازيغية.
ويمكنك أن تسمع صدى الكلمة في الخريطة نفسها. فاسم أزمّور، المدينة الأطلسية، يُربط عادةً بالزيتون، وقد ربط بعض الباحثين اسم اتحاد قبائل زمّور بكلمة أزمّور كذلك. حتى الجغرافيا تبدو وكأنها تتذكر الشجرة.
وقد ذهب لسانيون إلى أن قِدم هذا المعجم واتساعه يدلان على ثقافة زيتونية جذورُها أعمق من عالم التجارة الفينيقي. وتبقى هذه فرضية لا خلاصة مستقرة. لكنها تدعونا إلى إعادة النظر في الرواية المألوفة التي بموجبها يكون كل ابتكار زراعي قد وصل إلى شمال إفريقيا من مكان آخر.
لماذا نحكي لكم هذا
كان بوسعنا أن نبيعكم زيت الزيتون هذا من دون أن نحكي لكم شيئًا من هذا. كان يمكن أن يقوم على المذاق وحده. لكن المذاق ليس إلا جزءًا مما تحمله الأرض.
حين نعمل مع تعاونيات منطقة جرسيف وعائلاتها، مع أناسٍ يعتنون بأشجارٍ كان أجدادهم يعرفونها ويحصدونها، فنحن لا نؤسس مشروعًا جديدًا على أرضٍ خالية. نحن نواصل شيئًا كان هنا قبلنا وسيبقى، كما نأمل، بعدنا: مشهدًا أصيلًا، وإرثًا زراعيًا عريقًا، واسمًا لم ينسه أهل هذه الأرض قط تمامًا.
فحين تروننا نكتب أزمّور، ⴰⵣⵎⵎⵓⵔ، إلى جانب «الزيتون»، فليست تلك زخرفة. إنه اسم أقدم، يُقال بصوت عالٍ وعن قصد. إنها طريقتنا في الإقرار بأن قصة هذه الشجرة لم تبدأ بنا.
إنها من هنا. والآن، يعود شيء منها معكم إلى البيت.
من جرسيف، ومن ورائها الجهة الشرقية كلها.
تابع قصص «أرضنا»
السابق: الملف كان جاهزًا منذ البداية →
جميع قصص «أرضنا»