عن بساتين كاف الغار، والتقنية الهادئة التي صنعتها.
شمال تازة، حيث تصعد الطريق نحو مقدمة الريف وينتهي الإسفلت، مسلك يمتد خمس عشرة دقيقة عبر أشجار الزيتون. لا بمحاذاتها — بل عبرها. لا تتوقف. ولا تتخفف إلى شجيرات ثم تعود. ربع ساعة كاملة لا شيء على الجانبين سوى زيتون عتيق، ثم ينتهي المسلك وهي ما تزال مستمرة.
أول ما يلفتك ليس عمرها. بل فوضاها. هذه الأشجار ليست في صفوف. ليست متساوية التباعد، ولا موحدة الحجم، ولا مصطفة على منحدر أو خط كان ليختاره مخطط. جذوع بعرض باب تنتصب بجانب أشجار بثلث حجمها. سيقان عدة تصعد من أصل واحد، متباعدة كالأصابع. لا شيء فيها يوحي بالغرس.
ذلك أنها، على الأرجح، لم تُغرس.
الدليل في الهيئة
البستان المغروس يفضح نفسه. وقف أحدهم في حقل، وقرر تباعداً، ووضع الأشجار في الأرض على مسافات. بعد قرون قد تعوجّ الصفوف وتتخللها الفجوات، لكن النية تبقى مقروءة.
أما بساتين الجبال المغربية فكثيراً ما لا تحمل نية من هذا القبيل. ترتيبها يتبع الأرض — شجرة حيث كانت تربة تكفي، وفراغ حيث كانت الصخرة. والأشجار نفسها ليست على هيئة بستان: أضخم مما ينبغي، وأشد اعوجاجاً، وأكثر سيقاناً.
وللغرابتين معاً تفسير واحد، وهو من أبرز ما في الفلاحة المتوسطية.
البستان وُلد من الغابة
وثّق الباحثون العاملون في شمال المغرب ممارسة تختلف تماماً عن غرس البساتين. فحين كان الفلاحون يستصلحون الغابة والأدغال للزراعة، لم يكونوا يزيلون كل شيء. كانوا يتركون الزيتون البري واقفاً.
الزيتون البري — الزبّوج — هو النوع نفسه لكنه كائن آخر: أصغر ثمراً، أصلب عوداً، أعمق جذوراً، يألف أرضاً تهزم شتلة المشتل. كان الفلاحون يستبقون هذه الأشجار البرية ثم يطعّمون عليها الزيتون المثمر. تحتفظ الشجرة البرية بجذورها وجذعها؛ ويصير ما فوقها الصنف الذي أراده الفلاح.
والنتيجة أن البستان لم يحل محل الغابة، بل وُلد منها، شجرة بعد شجرة، على مدى أجيال. ما تعبره في كاف الغار ليس أرضاً أزيلت ثم غُرست. إنه غابة حُوّلت، تطعيمة تطعيمة، على يد أناس لم يروا سبباً لقتل شجرة جيدة كي يزرعوها.
لماذا فعلوا ذلك
ليس عاطفةً. بل حكمةً.
اسأل فلاحي هذه الجبال ويأتيك الجواب واحداً: الشجرة المطعّمة على أصل بري أقوى، وأعسر على الريح كسراً، وأقدر على تجاوز سنة جافة، وأجود زيتاً. ويعزون ذلك إلى الجذر الوتدي — ذلك الجذر العميق الذي أرسته الشجرة البرية قبل أن يمسّها أحد، يبلغ ماءً لا تجده نبتة سطحية الجذور أبداً.
وفي تراب جبلي رقيق التربة، قاسي الشتاء، يجفّ كل بضع سنين، ليست هذه ميزة صغيرة. إنها الفرق بين بستان يدوم وآخر يزول.
وللممارسة نتيجة ثانية، أقل ظهوراً وأكثر إثارة. فلأن كل تطعيمة قرارٌ — هذا القلم، على هذا الأصل، في هذا الموضع بعينه — تأتي البساتين الناتجة متنوعة وراثياً على نحو لا يعرفه بستان المشاتل أبداً. ويصفها الباحثون بأنها تدجين لم يكتمل قط: ما يزال جارياً، شجرة بعد شجرة، بأيدي الفلاحين لا المستولدين.
ما لا نستطيع قوله لكم
لن نقول لكم كم عمر هذه الأشجار.
إنه الادعاء البديهي، وكان بوسعنا تمريره — فالجميع يفعل. لكن خشب الزيتون لا تُقرأ حلقاته بموثوقية كما يُقرأ البلوط، وقلب الزيتونة العجوز يكون قد تعفّن عادة قبل أن يفكر أحد في النظر، والشجرة تتجدد بلا نهاية من أصلها، ترسل سيقاناً جديدة كلما خارت القديمة. قد يكون الجذع فتياً بينما الكائن تحته عجوز جداً. وحيث أُنجز عمل دقيق في أماكن أخرى من المتوسط، تبيّن أن أشجاراً قيل بثقة إن عمرها آلاف السنين إنما عمرها قرون.
فالجواب الصادق عن أي شجرة بعينها في كاف الغار هو أن لا أحد يعلم، ومن يعطيك رقماً فهو يخمّن.
لن نعطيكم رقماً. سنعطيكم الحد الأدنى. توجد قريباً أشجار موثقة العمر — تسعون سنة — وهي بجانب هذه مجرد فسائل. فما ينتصب في كاف الغار منتصبٌ منذ ما يزيد كثيراً على قرن.
وما يمكن قوله بعد ذلك أمتن. المغرب واحد من ثلاث مناطق فقط في المتوسط كله يُرجّح أن الزيتون البري نجا فيها من العصور الجليدية — ملاذ، مع المشرق وبحر إيجة، استُمد منه الزيتون المثمر. وممارسة التطعيم على الأصل البري موثقة ومدروسة وما تزال حية. وأشجار هذا المسلك على الهيئة التي تصنعها تلك الممارسة بالضبط.
لماذا نحكي لكم هذا
لأنها حكاية أفضل من تلك التي كان بوسعنا أن نحكيها، ولها ميزة أنها قابلة للدفاع عنها.
النسخة السهلة تقول: أشجار ألفية، تراث آلاف السنين، مغرب خالد. وهي متاحة لكل من يحمل كاميرا ولا تعني شيئاً، لأنها لا تُتحقق ولا تُدحض.
أما النسخة الأصعب فتقول شيئاً محدداً عن كيف صُنع هذا المشهد ومن صنعه: أن أجيالاً من فلاحي هذه الجبال طوّرت طريقة لإنشاء البساتين دون تدمير الغابة التي جاءت منها، وأنهم حكموا بأن النتيجة أفضل — أشجار أقوى وزيت أجود — من البديل. هذا ادعاء عن مهارة، وهو ملك لأهل هذا المكان.
وهو أيضاً، في ظننا، أكثر ما في هذا الزيت إثارة. ليس أن الأشجار عتيقة — قف تحت واحدة ولن تجادل. بل أن الطبيعة غرست هذا البستان، وكانت كل شجرة فيه مع ذلك قراراً إنسانياً.
من جرسيف، ووراءها الجهة الشرقية كلها.
تابعوا يوميات الأرض
→ السابق: الشجرة التي كانت هنا دائماً
شاهدوا البستان: أشجار الزيتون المعمّرة بكاف الغار
كل حكايات الأرض